محمد بن الطيب الباقلاني
431
الإنتصار للقرآن
المصحف ، وأخذ الناس بحفظه ، ويعتذرون في ذلك بأنّه مما أسقط ، ويعنون بذلك أنه أسقطه الناس من المصحف ، وتركوا حفظه وإثباته ، لأنّه لو كان مثل هذا عذرا في ترك حفظه وإثباته لكان لو أسقط الناس جميع القرآن على هذا المعنى أو ثلثيه ونصفه على اعتماد إسقاطه والذهاب عن حفظه وضبطه ، أن يجب على من كان لقّنه وعرفه وحفظه أن يترك قراءته وإثباته ورسمه لأجل أنّ غيره من الناس عصى اللّه وأسقطه ، وهذا جهل لا يظنه بالصحابة إلا غبيّ مغرور ، فإنّ حال أدون المؤمنين منزلة يرتفع عن هذه الرتبة ، فكيف بالصحابة في فضلهم وجلالة قدرهم وشدة تديّنهم ، وما وصفهم اللّه تعالى به من أنّهم خير أمة أخرجت للناس ، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، إلى غير ذلك مما وصفهم به ، فبان بما وصفناه أنه لا تعلق لهم في شيء مما حكيناه من كلّ وجد وطريق . قال أبو عبيد « 1 » عقيب القراءات الشاذة التي قدّمنا ذكرها ، وهذه الآيات التي ذكر أنّها كانت مما أنزل ثم رفع وأسقط ، وقد ذكر في بابين شيئا كثيرا قد ذكرنا بعضه ، فقال أبو عبيد : « هذه الحروف التي ذكرناها في هذين البابين الزوائد لم يروها العلماء ، واحتملوها على أنها مثل الذي بين اللوحين من القرآن ، ولا أنهم كانوا يقرءون بها في صلاة ، ولم يجعلوا من جحدها كافرا بما يقرأ في الصلاة ، ويحكم بالكفر على الجاحد لهذا الذي بين اللوحين ، وهو مما يثبت في القرآن الذي نسخه عثمان بإجماع من المهاجرين والأنصار وإسقاط ما سواه ، ثمّ أطبقت عليه الأمة فلم يختلف في شيء منه ، يعرفه جاهلهم كما يعرفه عالمهم ، وتوارثه القرون بعضها عن بعض ، ويتعلمه الولدان في المكتب ، وكانت هذه / إحدى مناقب عثمان
--> ( 1 ) ورد قول أبي عبيد هذا في كتابه « فضائل القرآن » ، باب المنسوخ تلاوة .